ابن كثير
440
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام من طريق إسحاق بن بشر ، وفيه كلام ، عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود عليه السلام كان يخرج متنكرا ، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته ، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته وعدله عليه السلام . قال وهب : حتى بعث اللّه تعالى ملكا في صورة رجل ، فلقيه داود عليه الصلاة والسلام فسأله كما كان يسأل غيره ، فقال : هو خير الناس لنفسه ولأمته ، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا . قال : ما هي قال : يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين ، يعني بيت المال ، فعند ذلك نصب داود عليه السلام إلى ربه عز وجل في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله ، فألان اللّه عز وجل له الحديد ، وعلمه صنعة الدروع ، فعمل الدروع ، وهو أول من عملها ، فقال اللّه تعالى : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ يعني مسامير الحلق . قال : وكان يعمل الدرع ، فإذا ارتفع من عمله درع باعها فتصدق بثلثها ، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله ، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها ، وقال : إن اللّه أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت ، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر ، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج ، إلا على أصناف صوته عليه السلام ، وكان شديد الاجتهاد ، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير ، وكان قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه . وقوله تعالى : وَاعْمَلُوا صالِحاً أي في الذي أعطاكم اللّه تعالى من النعم إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم ، لا يخفى علي من ذلك شيء . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود ، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له ، تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر . قال الحسن البصري : كان يغدو على بساطه من دمشق ، فينزل بإصطخر يتغذى بها ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل ، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع . وقوله تعالى : وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد : القطر النحاس . قال قتادة : وكانت باليمن ، فكل ما يصنع الناس مما أخرج اللّه تعالى لسليمان عليه السلام قال السدي : وإنما أسيلت له ثلاثة أيام . وقوله تعالى : وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه . أي بقدره